aa

محمد(ص) رحمةٌ للعالمين

GN0010

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشّراً ونذيراً* وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً}، {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكّيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون}، {قل يا أيّها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأميّ الذي يؤمن بالله وكلماته واتّبعوه لعلّكم تهتدون}

نلتقي في هذه الأيام بذكرى ولادة النبي الأعظم (ص)، الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، ليرحم عقولهم حتى تنفتح على الحق في كل جوانب الحياة، في العقيدة والشريعة والحركة والمنهج، وليرحم قلوبهم، فلا تنبض إلاّ بالمحبة للناس جميعاً، ويرحم حياتهم، فلا تسير إلاّ في اتجاه العدل بين الناس جميعاً، إنه الرحمة في عقله، وعقله هو العقل الأكبر في الناس، وفي قلبه، فقد كان (ص) حريصاً على المؤمنين، رؤوفاً ورحيماً بهم، وفي حياته، فقد كان المتواضع مع الفقراء والمساكين، يعيش معهم ومع المستضعفين منهم كأنه واحد منهم، فلا يتكبّر ولا يتجبّر، لأنه كان كبيراً بالله، ومن كان كبيراً بالله فعليه أن يكون المتواضع مع الناس، فالإنسان كلما عاش عظمة الله في نفسه، وكلما كبر في تقواه ومحبته لربه، أدرك معنى إنسانيته، وعرف مقدار فقره إلى الله، وأن الناس سواء بين يدي الله، حيث «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى»، و{إن أكرمكم عند الله أتقاكم}

 

الولادة والنشأة

يعود النبي محمَّد (ص) في نسبه لأبوين عريقين، فالأب هو عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب، وأمه هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب، ولد، كما جاء في أغلب الرِّوايات، في سنة 570 ـ 571م، وقيل إنَّه ولد قبل ذلك بخمسة عشر عاماً

توفي أبوه وهو في بطن أمّه خلال عودته من تجارة له في الشام في يثرب متأثّراً بمرض الحمى اليثربي، ودفن هناك

وما إن أبصر النور حتى أرسلت أمّه إلى جدّه عبد المطلب "إنَّه قد وُلد لك غلامٌ فأته فانظر إليه"، فجاءه وحمله إلى الكعبة، حيث راح يدعو اللّه ويشكره على ما أعطاه، ثُمَّ أعاده إلى أمّه ريثما يلقى مرضعة له، ليرضع وينشأ، ويتعلّم في البادية النطق بالكلمات، كما كانت عادة الأشراف في مكّة، حيث كانوا يسلّمون أولادهم الرضع إلى المراضع اللواتي كنَّ يقصدن مكة في السنين العجاف، ووقع اختياره على امرأة من بني سعد بن بكر يُقال لها "حليمة بنت أبي ذؤيب"، التي استصحبته معها إلى مضارب قومها، حيث بقي هناك لمدّة سنتين، فحملته وزوجها إلى أمّه في مكة، وكانت أمّه تريد أن يبقى عند حليمة، فقالت لها "لو تركت ابني عندك ، فإني أخاف عليه وبأ مكة"، ولـم تزل بها حتى أجابتها إلى طلبها

وبقي هناك مدة أرجعته حليمة بعدها إلى أمه، وأعلمتها أنه قد بلغ، فأخذته أمه وعملت على رعايته في حماية وإشراف من جده عبد المطلب، وعندما بلغ السادسة من عمره توفيت أمه بالأبواء، وهي في طريق عودتها إلى مكة في أعقاب زيارة لأهلها من بني عدي بن النجار، فتولى أمره جده عبد المطلب الذي كان أولاه رعاية واهتماماً خاصين، حيث كان يرى فيه بشائر المستقبل

 

محمد(ص) في كنف أبي طالب

لم تستمر رعاية الجد وعطفه طويلاً، إذ ما لبث أن توفي، ومحمَّد لمّا يتجاوز الثامنة من عمره، فتولى أمره عمه أبو طالب، لأنه وعبد اللّه والدا الرسول(ص) كانا لأمّ واحدة، ولم يكن أبو طالب بالرجل الموفور المال، وكان يعيل عدداً من الأبناء، الأمر الذي جعل محمَّداً(ص) يعمل لإعانته في كسب قوته حسب طاقته، فكان يرعى له الأغنام، وعندما قرر عمه الخروج في تجارة إلى الشام ـ وكان قد بلغ آنذاك التاسعة من عمره ـ رجاه أن يصحبه معه، فرقّ له أبو طالب وقال: "واللّه لأخرجن به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبداً"

ولما كان أبو طالب فقيراً كثير العيال ـ كما ذكرنا ـ هب محمَّد لمساعدته، ولكن رعي الغنم لم يف بالغرض المطلوب، ففكر أبو طالب في رزق يسوقه اللّه إليه، وكان ذلك عن طريق البيع والشراء والتجارة على عادة أغلب أهل مكة في ذلك العهد، وقد عمل محمَّد(ص) بالاشتغال والشراء مستقلاً بأعماله أحياناً ومشتركاً مع غيره أحياناً أخرى

ولما عرف عنه من الصدق والأمانة، عرض عليه عمه أن يسهم في تجارة خديجة (ع) علّها تدرّ عليه ربحاً، فاستجاب لطلب عمه، وجنى أرباحاً مضاعفة عمّا كانت تدره هذه التجارة من قبل

 

الزواج من السيدة خديجة(ع)

في الخامسة والعشرين من عمره، تزوّج محمد(ص) من السيدة خديجة(ع)، وكانت تجربة ناجحة لعبت دوراً كبيراً في حياته قبل البعثة وبعدها على السواء

كان محمَّد(ص) قد اختير بوساطة عمه أبي طالب، من قبل السيدة خديجة ذات الشرف والمال في قريش، ليساهم في تجارتها إلى الشام برفقة خادمها ميسرة لما قد سمعت عن محمَّد"من صدق حديثه، وعظيم أمانته، وكرم أخلاقه"

وأسفرت الرحلة عن مكاسب عظيمة ضاعفت من أرباح التجارة، فأعجبت خديجة به، وزادها إعجاباً وتقديراً ما حدّثها به خادمها ميسرة عن أخلاق محمَّد(ص) وصفاته

وكانت السيدة خديجة(ع) قد اعتمدت الوضوح والصراحة في التعامل معه، فبعثت إليه من يقول له بأنها قد رغبت فيه لقرابته وشرفه في قومه، وأمانته وحسن خلقه وصدق حديثه. ثم عرضت عليه الزواج، وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً، وأكثرهن مالاً، كل قومها كان حريصاً على خطبتها لو يقدر على ذلك

استشار محمَّد(ص) أعمامه، فخرج معه من أعمامه أبو طالب وحمزة وغيرهما إلى عم خديجة عمرو بن أسد، وخطبوا له ابنة أخيه، وكان محمَّد (ص) في الخامسة والعشرين عندما تزوج خديجة(ع)، وكانت هي قد ناهزت الأربعين، وظل هذا الزواج قائماً حتى ماتت السيدة خديجة عن خمسة وستين عاماً، كانت طوال سني زواجها منه محل الكرامة والإعزاز، وقد أنجب رسول اللّه(ص) أولاده جميعاً منها ما عدا إبراهيم

 

بوادر انحلال الوثنية

كان الواقع السائد قبل مبعث الرسول(ص) في شبه الجزيرة العربية يعج بالفوضى والرذيلة، ويسيطر فيه القوي على الضعيف، ويسود فيه الظلم بكل أشكاله، وقد بدأت في تلك الفترة بوادر انحلال الوثنية بالظهور، حيث لجأ البعض إلى التنكر للوثنية بين العرب، وحاول إصلاح الأحوال لكن دون جدوى، في حين أن البعض الآخر كان يترقب ظهور مصلح ينقلهم من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة إله واحد لا شريك له ولا نظير، ومن هؤلاء زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن حويرث، وغيرهم

كان الرسول(ص) قد ابتعد عن كل ممارسات الجاهليين التي كانت تسود شبه الجزيرة، ووضع نصب عينيه إنقاذ هذا المجتمع الغارق في الجاهلية والظلم والاستبداد، وعبادة الأوثان والأصنام، ونقله إلى النور والعلم والتوحيد وما إلى ذلك، فمال، كما جاء في الروايات القليلة، إلى العزلة بعيداً عن صخب مكة وضجيجها إلى الشعاب المحيطة بمكة، فوجد في غار حراء ما ينشده من الوحدة والخلوة مع نفسه، فكان يذهب إليه في شهر رمضان من كل عام يقيم فيه الشهر بكامله، مكتفياً بالقليل من العيش الذي تحمله إليه زوجته خديجة(ع)، فإذا انقضى الشهر عاد إلى مكة، ويستأنف حياته العامة، وإدارة شؤونه، وأهل مكّة وكل من عرفه من الأعراب خارجها ينظرون إليه بإكبار وإعجاب، وهو مع كل ذلك يزداد تواضعاً وعطفاً على الفقراء والمساكين، وهكذا

 

المؤمنون الأوائل

كانت خديجة(ع) أول من آمن بدعوة الرسول(ص)، ووقفت بقوة إلى جانبه(ص)، وهو يجابه بالتوحيد شرك العرب جميعاً، وكان علي(ع) أول من آمن من الفتيان ، ولكن المؤرخين اختلفوا في سنّه يوم إسلامه، فقيل إنه كان في الخامسة عشرة من عمره، كما ذهب إلى ذلك الحسن البصري وجماعة من المحدثين، وقيل أكثر من ذلك كما يظهر من جعفر الإسكافي، ولكن عبارة الكليني في الكافي تشير إلى أن عمره يوم إسلامه كان يتراوح بين العاشرة والثالثة عشر، وكان عليٌ قد عاش في كنف الرسول(ص)، حيث كان قد أخذه ليعيله في داره تخفيفاً عن أبي طالب الذي لم يكن يملك ما يكفيه وأبناءه جميعاً، وكان زيد بن حارثة ثالث من أسلموا، وكان هو الآخر يقطن مع الرسول(ص) في بيته، حيث كانت خديجة(ع) قد اختارته من بين عدد من العبيد الغلمان الذين استقدمهم أحد التجار من الشام، فرآه الرسول(ص) فاستوهبه منها، فوهبته له، فأعتقه وتبنّاه قبل مبعثه. أما رابع المسلمين وأول الرجال فهو أبو بكر عتيق بن أبي قحافة، ولم يلبث أن التحق بهذا الركب عدد من الشخصيات كعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبد الله، وأعقب هؤلاء النفر التسعة مجموعة أخرى من المسلمين الأوائل، حتى وصل عددهم إلى أربعين شخصاً، وكان ذلك طوال سنوات ثلاث أو أربع، وهي مدة طويلة كان من الممكن أن يتضاعف فيها العدد لو أن الرسول(ص) قام بالدعوة جهاراً، ولكنه (ص) لم يكن قد كلِّف وجوب الجهر والإعلان بها إلا لمن وجد في قلبه ميلاً للإسلام

 

المرحلة الأولى

وفي السنة التي نزل فيها الوحي على النبي(ص)، خرج إلى حراء كعادته، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، جاءه جبرائيل بأمر من الله قال له: إقرأ، قال رسول الله(ص) قلت ما أقرأ، وقال له ثانية إقرأ، قال(ص) قلت ما أقرأ، وأعادها عليه ثالثة، فقال: {إقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* إقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم* علّم الإنسان ما لم يعلم}(العلق:1ـ5). فقرأها الرسول(ص) وبشّره جبرائيل أنه رسول الله(ص)، وجاء إلى خديجة(ع) يقص عليها ما جرى له، فقالت له كما جاء في عدد من الروايات: "أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق"

وبقي الوحي مدة منقطعاً عن الرسول(ص) كما يذكر المؤرخون، فخرج إلى حراء يفكر ويتألم كعادته، ينتظر أن يعود إليه الملك الذي جاءه أولاً وبشّره بالنبوة، وبينما هو غارق في التفكير والتأمل، وإذا بجبريل يطل عليه ويقول يا محمد: "إنك رسول الله حقاً"، فارتاح لذلك، وترك النداء أثراً عميقاً في نفسه، وسرت عنه مخاوفه وأخلد إلى النوم، وبينما هو غارق في النوم جاءه الملاك جبرائيل ليبلغه رسالة الوحي، فاستيقظ من نومه ليستمع إلى الوحي يقول له: {يا أيها المدثر* قم فأنذر* وربك فكبر* وثيابك فطهر* والرجز فاهجر* ولا تمنن تستكثر* ولربك فاصبر..}(المدثر1ـ7)

أمر الرسول(ص) أتباعه بالتزام الحيطة والحذر وعدم الإعلان عن الإسلام بانتظار الأمر الإلهي، فكانوا إذا أرادوا الصلاة خرجوا إليها فرادى إلى الشعاب والبرية، وبقي هؤلاء كذلك طوال مدة الاستخفاء.

 

قريش ترصد حركة المسلمين

وترامت هذه الأنباء إلى قريش، فلم تعر لهذا الأمر في البداية اهتماماً، ولعلّها حسبت محمداً(ص) أحد أولئك الديّانين الذين يتكلمون في الألوهية وحقوقها، كما صنع أمية بن الصلت، وقس بن ساعدة، وعمرو بن نفيل وأشباههم، إلا أنها توجست خيفة من ذيوع خبره، وامتداد أثره، وأخذت ترقب على الأيام مصيره ودعوته، واستمر العمل بهذه الطريقة لمدة ثلاث سنين تعرض المسلمون خلالها لحادثتين

الحادثة الأولى: يوم خرج سعد بن أبي وقاص في نفر من المسلمين الأوائل إلى شعب من شعاب مكة، حيث ظهر عليهم جماعة من المشركين وهم يصلّون، فاستنكروا عملهم وعابوا عليهم ما يصنعون، وما لبث الطرفان أن دخلا في شجار عنيف، واضطر سعد ـ يومئذ ـ أن يجرح قوماً من المشركين، فكان ـ كما يقول ابن هشام ـ: "أول دم أهرق في الإسلام". وكان سعيد بن زيد يقول: "استخفينا بالإسلام سنة، ما نصلي إلاّ في بيت مغلق أو شعب خال ينظر بعضنا لبعض"

أما الحادثة الثانية فكانت كما رواها البلاذري، هو أنه بينما كان رجلان من المسلمين يصلياّن في إحدى شعاب مكة، هجم عليهما رجلان من المشركين "كانا فاحشين"، فناقشوهما ورموهما بالحجارة ساعة، حتى خرجا فانصرفا

ترك هذان الحادثان تأثيرهما على مسيرة المسلمين الناشئة، ما حمل الرسول(ص) إلى أن يأمر أتباعه بالتخفي والتزام البيوت مدة من الزمن حتى تستقر الأوضاع، فدخل هو وجماعة من أصحابه بيت الأرقم بن أبي الأرقم، وبقي فيه متخفياً لا يخرج إلى أن أذن الله له بالخروج، وكان بعض المسلمين الذين بقوا خارج هذا المنزل يراجعون دار الأرقم لتلقّي أوامر النبي(ص) وتنفيذ ما يحتاج إليه

وكما يقول أرنولد، "تعدُّ الفترة التي قضاها محمد(ص) في هذه الدار فترة هامة في الدعاية الإسلامية بمكة، حتى أن كثيراً من المسلمين يؤرخون دخولهم في الإسلام بتلك الأيام التي كان الرسول يبث فيها الدعوة بدار الأرقم"

 

البدايات الأولى للمجابهة العقيدية

إن سرِّية الدعوة في هذا العهد وتواصي المسلمين بالحذر والحيطة، وتلافي الاصطدام المباشر مع المشركين، لم يمنع من المجابهة العقيدية بين الدين الجديد والشرك، حيث أشار القرآن الكريم إلى ذلك في سورة العلق، وشن حملة عنيفة على أحد زعماء قريش، وهو المغيرة بن هشام المخزومي، في وقت لم يكن قد آمن بدعوة النبي(ص) سوى نفر يعدون على الأصابع، وذلك في قوله تعالى: {كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية* ناصية كاذبة خاطئة* فليدع ناديه* سندع الزبانية..}(العلق:15ـ 18)

 

إعلان الدعوة ...

حان وقت إعلان الدعوة، فأصدر الله سبحانه وتعالى أمره إلى الرسول(ص) أن"يصدع" بما جاءه منه: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}(الحجر:94) ولقوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين* واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين}(الشعراء:214ـ215) {وقل إني أنا النذير المبين}(الحجر:89)

وجاء في بعض الروايات أنه لما نزلت الآية الأخيرة صعد الصفا وهو موضع بمكة وجعل ينادي يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني عبد المطلب، وذكر الأقرب فالأقرب حتى اجتمعوا، ومن لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولاً لينظر ما يريد، فاجتمع إليه منهم حوالي الأربعين، فقال النبي(ص): أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ فقالوا: بلى والله، لأنّا ما جربنا عليك كذباً، قال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبّاً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تعالى عليه{تبت يدا أبي لهب وتب* ما أغنى عنه ماله وما كسب* سيصلى ناراً ذات لهب* وامرأته حمّالة الحطب* في جيدها حبل من مسد}(المسد:1ـ5)

ومما تحدث به المؤرخون أنّ النبي(ص)، عندما أمره الله تعالى أن ينذر عشيرته الأقربين، دعا علياً(ع)، وطلب منه أن يصنع طعاماً، ويدعو بني هاشم وعبد المطلب ليكلّمهم الرسول(ص) بالإسلام، ففعل علي(ع)، ذلك وأكلوا حتى شبعوا، ولما فرغوا من الأكل وأراد النبي(ص) أن يكلّمهم، بادره أبو لهب عمه إلى الكلام، وقال ما أشد ما سحركم صاحبكم، فتفرق القوم، ولم يكلّمهم النبي(ص)، وبعد أيام طلب منه أن يفعل كما فعل في المرة الأولى، ولما اجتمعوا بادرهم النبي(ص) بقوله: "ما أعلم إنساناً في العرب جاء قومه بمثل ما جئتكم به، لقد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم من بعدي"، فأحجم القوم غير علي(ع)، وكرّر القول فلم يجبه غير علي أيضاً

ولما رأى النبي(ص) إحجامهم وإصرار علي(ع) قال: "إن هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاستمعوا له وأطيعوا"، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك محمد أن تسمع لابنك وتطيع

 

أهمية اعتناق مكة الإسلام

إذاً ابتدأ الرسول(ص) دعوته العلنية بإنذار عشيرته الأقربين، حيث كان لوقوف عشيرته إلى جانبه وقعٌ كبير ودلالات مهمة، في وقت كانت الروح القبلية قد استحكمت في مكة وبين القبائل في شبه الجزيرة العربية، ونظراً لمكانة مكة التي اكتسبت أهميتها من مركزها الديني، فإن جلبها إلى حظيرة الإسلام، لا بد وأن يكون له وقع كبير على بقية القبائل، لارتباطها بقريش عن طريق الأحلاف والمعاهدات، حيث تربطها بها مصالح سياسية وتجارية. وهذا لا يعني أنّ الرسالة جاءت محدودة بقريش، ولكنّ هذا الإنذار ما هو إلاّ خطوة مرحلية في سبيل تحقيق رسالته العالمية: {ما هو إلاّ ذكر للعالمين}(القلم:52)، {وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين}(الأنبياء:107)

 

-----------------------------------------------

 

الله يؤدب رسوله

عاش رسول الله (ص) يتيماً، مات أبوه وهو في بطن أمه، وماتت أمه وهو رضيع، واستُرضع في حيّ من أحياء العرب، كما كان يفعل الناس من قريش، وعاش (ص) بعين الله، «فقد وكّل الله به ـ كما يقول عليّ (ع) ـ عظيماً من أعظم ملائكته، يلقي إليه في كل يوم علماً وخلقاً»، حيث تأدّب بآداب الله، وقد جاء في حديثه: «أدّبني ربي فأحسن تأديبي»

 

الرسول (ص) وحيٌ يوحى

لم يكن (ص) قارئاً ولا كاتباً: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون}، لو كان يقرأ أو يكتب لقالوا إن ما جاء به من القرآن والشريعة هو أمر تعلّمه مما قرأه من كتب الأولين أو مما سمعه من الناس، ولكنه جاءهم وهو الأمي بأعظم مما جاء به العلماء والبلغاء والمشرّعون والحكماء، حتى يعرف الناس من ذلك أنه نبي، وأن وحي الله هو الذي علّمه، وهو الذي أنزل عليه القرآن. وهذا ما كان النبي (ص) يحدّث به الناس، عندما قدّم نفسه إليهم وهو يقول: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ـ لم آتِ محمّلاً بخزائن الله لتتبعوني بما أملك من ثروات ـ ولا أعلم الغيب ـ ولا أملك أن أحدثكم عن المستقبل ـ ولا أقول لكم إني مَلَك ـ وإنما أنا بشر ـ إن أتّبع إلاّ ما يوحى إليّ}، فأنا في كل رسالتي ومعلوماتي أتلقى ذلك من ربي: {قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم إن أتَّبع إلا ما يوحى إلي}، {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء}، قدّم نفسه للأمة بكل بساطة وعفوية وثقة، لأنه الإنسان الإلهي الذي صاغه الله تعالى، فجعل العصمة في عقله وقلبه وفي كل حياته، وجعله لا ينطق إلا بالحق: {وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى}، فقد صاغ الله تعالى أخلاقه من أخلاقه، وقد ورد في الحديث: «تخلّقوا بأخلاق الله»، وقال الله عنه: {وإنك لعلى خلق عظيم}

 

النبي قرآن يتحرك

وكان النبي (ص) يحمل القرآن ويبلّغه بلسانه، وبكل كيانه، كان قرآناً يتحرك، فإذا أردتم أن تقرأوا القرآن وتشاهدوه، فاقرأوه في حياة النبي (ص) وسيرته، فقد كان قرآناً يتجسّد، فما من آية من آيات القرآن إلا وقد تمثّلها رسول الله في عقله، وحملها في قلبه، وعاشها في سيرته. ولذلك فإن الله كما أراد لنا أن نستمع لرسوله، أرادنا أن نقتدي به: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً}، فقد كان القدوة في كل أفعاله ومواقفه، ولذلك فإن العلماء يقولون إن السنّة ـ سنّة النبي (ص) ـ هي قول النبي وفعله وتقريره، ففعله وقولـه وإقراره على ما يراه أمامه وما يقبله أو لا يعترض عليه شريعة

 

رضى الله هو المؤنس

وهو الذي كان يحدّق بالله، ولم يكن يحدق بالمستكبرين والمترفين والأغنياء، وهو الذي قال لربه عندما اضطهده قومه وضربوه بالحجارة: «إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي»، فما دمت معي يا ربّ فلا مشكلة عندي، إن المسألة هي رضاك ولا شيء إلا رضاك، فليغضب العالم كله فلا قيمة لذلك عندي، لأنني أعيش رضاك فيؤنسني ويطرد عني الوحشة والغربة والحزن والألم. وقالها لصاحبه في ليلة الهجرة: {إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}، لأن الإنسان عندما يحسّ بأن الله معه، فإنه يعيش الفرح في قلب الحزن، واللذة في قلب الألم. وهذا ما علّمه رسول الله (ص) لأصحابه، أن يشعروا في حالات الشدة بأنهم كبار وأنهم الأشداء يتبعون رضوان الله، وهذا ما حدّثنا به الله تعالى عن صحابته الأصفياء: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل* فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم* إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين}

تاريخ المراجعة والتحرير

15-02-2011

مصدر المحتوى قبل مراجعته وتحريره

موقع بينات الالكتروني